يعتبر كتاب المقتبس من أنباء أهل الأندلس للمؤرخ الأندلسي حيان بن خلف ابن حيان القرطبي (377-469ه) من أهم المصادر للتاريخ الأندلسي.
والكتاب كما ذكر المؤرخون الذين رأوه ونقلوا عنه يتحدث عن تاريخ الأندلس منذ الفتح وحتى عصر المؤلف أو قريب من عصره، إذا اعتبرنا أن كتابه الآخر المسمى بالمتين ليس من أجزاء المقتبس.
وقد ذكر المؤرخون الذين رأوا الكتاب ونقلوا عنه أنه في عشرة أسفار، فقد قال ابن حزم في رسالته في فضل الأندلس، مفاخراً بهذا الكتاب: “ومنها كتاب التاريخ الكبير في أخبار أهل الأندلس تأليف أبي مروان بن حيان، نحو عشرة أسفار، من أجلّ ما ألف في هذا المعنى. وهو في الحياة بعد، لم يتجاوز الاكتهال” ([1]).
وقد علق ابن سعيد على كلام ابن حزم بقوله: ” وَأما التواريخ فكتاب ابْن حَيَّان الْكَبِير الْمَعْرُوف بالمتين فِي نَحْو سِتِّينَ مجلدة وانما ذكر ابْن حزم كتاب المقتبس وَهُوَ فِي عشر مجلدات والمتين يذكر فِيهِ أَخْبَار عصره ويمعن فِيهَا مِمَّا شَاهده وَمِنْه ينْقل صَاحب الذَّخِيرَة”([2])وقد ظل هذا الكتاب متداولاً بين العلماء ينقلون ويستفيدون منه حتى حدود الألف من الهجرة.
وللأسف الشديد فقد ضاعت أكثر أجزاء كتاب المقتبس ولم يصلنا منه إلا خمس قطع مبعثرة على عدد من الحكام الأمويين؛ وقد توزعت أما نسخه ومخطوطاته في مكتبات العالم، وهي:
- مخطوطة مكتبة جامع القرويين بفاس، عثر عليها المستشرق ليفي بروفنسال، وهي تحوي عهدي الحكم الربضي (180هـ-206هـ/796م-821م) وعبد الرحمن ابن الحكم (206هـ-238هـ/821م-852م)، وقد قام بتحقيقها هذا المستشرق إلا أنها لم تطبع، ثم ضاعت المخطوطة بعد وفاة بروفنسال حتى وجدها الباحث الإسباني خواكين بالبيه في مكتبة المستشرق الإسباني غرسيه غومس بعد أن أهدت زوجته مكتبته برمتها لمكتبة المجمع التاريخي الملكي الإسباني بمدريد، الذي قام بإعداد طبعة فاكسيميلية للمخطوطة، وبقي أصل المخطوطة في مكتبة المجمع التاريخي الملكي بمدريد.
- مخطوطة مكتبة جامع القرويين بفاس، وتمثل بقية المخطوط السابقة الذكر، تبدأ من سنة 232هـ (846م) إلى سنة 267هـ(880م)، وتؤرخ للسنوات الأخيرة من إمارة عبد الرحمن بن الحكم ومعظم إمارة محمد بن عبد الرحمان (238هـ-273هـ/852م-886م)، وتشتمل على خمسة وتسعين ورقة.
- مخطوطه المكتبة البودليانة بإكسفورد (Bodleyana-oxford ) وهي متعلقة بإمارة الأمير عبد الله محمد الأموي (275هـ300هـ/888م-912م) موجود منها نسخة بالمكتبة الوطنية بمدريد، والمخطوطة غير سوية ، كثيرة الأخطاء.
- مخطوطة خزانة القصر الملكي بالرباط، أعلن عن اكتشافها محمد عبد الله عنان سنة 1965م، وهي أكبر قطع المقتبس الموجودة حاليا، حيث تحوي 165 ورقة، وتتناول السنوات الثلاثين الأولى لعهد عبد الرحمن الناصر (300هـ 350هـ/912م-961م).
- نسخة عن المخطوطة التي كانت بحوزة ورثة مكتبة سيدي حمودة بقسنطينة، وقد عثر عليها المستشرق فانيان ضمن مجموع، واستنسخها المستشرق كوديرا (Francisco Godera)، احتفظت بتلك النسخة مكتبة الأكاديمية التاريخية بمدريد في وقت ضاعت فيه المخطوطة الاصلية. هذه النسخة لا تضم، إلا سنوات 360هـ إلى 364هـ من عهد الحكم المستنصر.
وقد نشرت هذه المخطوطات المتبقية من الكتاب على النحو التالي:

- جزء من السفر الثاني: يحوي الجزء الأول قسماً من عهد الأمير الحكم الأول ابن هشام بين سنتي (180و 206ه)، ثم فترة الأمير عبد الرحمن الأوسط ابن الحكم بين سنتي (206-232ه)، ونشر هذا القسم في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية بالرياض، سنة 1424ه/2003م.

أما القسم الثاني فيحتوي على بقية فترة الأمير عبد الرحمن الأوسط حتى سنة 238ه، ثم معظم إمارة الأمير محمد بن عبد الرحمن (من سنة 238- 267هـ)، ونُشِرَ هذا القسم في دار الكتاب العربي ببيروت، سنة 1393ه/1973م، وقد قام بتحقيقهما محمود علي مكي، والسفر ناقص الأول، ويمثل نهاية السفر الثاني ويحتوي على تاريخ الأندلس خلال ثمان وثمانين سنة.
- جزء من السفر الثالث:
ي
حوي هذا السفر على فترة عهد الأمير عبد الله بن محمد بين سنتي (275-299ه)، وقد قام بتحقيقه ملتشور أنطونية ونُشِرَت في باريس سنة 1937م، ثم حققه اسماعيل
العربي في الرباط ونشرته دار الآفاق الجديدة، سنة 1990م.ثم أعاد تحقيقه الدكتور محمود مكي ونشره مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات في الرياض سنة 1430ه/ 2009م.
- جزء من السفر الخامس:
يحوي السنوات الثلاثون الأولى من خلافة عبدالرحمن الناصر (300-330ه)، وقد قام بتحقيقه بـدرو تشالميتا بالاشتراك مع فيديريكو كورينتي، ومحمود صبح، ونشره المعهد
الإسباني العربي في سنة 1979م. - جزء من السفر الأخير: ويحوي خمس سنين من خلافة الحكم المستنصر (360-364ه) وقد قام بتحقيقه الدكتور عبد الرحمن بن علي الحجي، ويبدو أنه الجزء الاخير من السفر، ومن الكتاب أيضا.

أما المفقود من الكتاب فهو مجال بحث وتحقيق وظنون، لكن الأغلب أن ما فُقِدَ هي الأجزاء التي تحتوي على تاريخ الأندلس قبل الفتح مع مقدمة جغرافية عن الأندلس، وكذلك أحداث الفتح الإسلامي، وما تلاه من أحداث عصر الولاة حتى عهد عبد الرحمن الداخل وابنه هشام الرضا، والأحداث التي وقعت في صدر إمارة الحكم بن هشام حتى سنة 180ه التي يبدأ بها السفر الثاني، ثم أحداث أواخر عصر الأمير محمد بن عبد الرحمن من سنة 267ه مروراً بعهد الأمير المنذر بن محمد حتى بداية عهد الأمير عبد الله بن محمد التي يبدأ بها السفر الثالث، ثم عصر خلافة عبد الرحمن الناصر بعد سنة 330ه التي ينتهي بها السفر الخامس حتى سنة 360 التي يبدأ بها آخر ما وجد من المقتبس وهي الخمس سنوات من عهد المستنصر، ثم ما يلي بعد سنة 364ه من أحداث حتى وفاة المستنصر وولاية ابنه هشام، ليبدأ بعد ذلك كتاب المتين المفقود أيضاً.
هذا ونسأل الله العلي القدير أن يَمُنَّ بالعثور على بقية آثار ابن حيان لما في ذلك من كشف عظيم لتاريخ المسلمين في الأندلس.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحواشي:
([1]) ابن حزم، أبو محمد علي بن أحمد، رسالة في فضل الأندلس وذكر رجالها، ضمن مجموع رسائل ابن حزم، تحقيق: إحسان عباس، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2007م، ج2، ص 184.
([2]) المقري، أبو العباس أحمد بن محمد التلمساني، نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، تحقيق: إحسان عباس، دار صادر، بيروت، ط6، 1433ه-2012م، ج3، ص 181.

اترك رد